فخر الدين الرازي
247
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السؤال الثاني : لم ذكر : كَفَرُوا بلفظ الفعل : وَالْمُشْرِكِينَ باسم الفاعل ؟ والجواب : تنبيها على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل ، ومقرين بمبعث محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة . السؤال الثالث : أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون / القيامة ، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكان كفر أهل الكتاب أخف من كفر المشركين ، وإذا كان كذلك فكيف يجوز التسوية بين الفريقين في العذاب ؟ والجواب : يقال : بئر جهنام إذا كان بعيد القعر ، فكأنه تعالى يقول تكبروا طلبا للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين ، ثم إن الفريقين وإن اشتركا في ذلك لكنه لا ينافي اشتراكهم في هذا القدر تفاوتهم في مراتب العذاب ، واعلم أن الوجه في حسن هذا العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك وإساءة إلى من أحسن إليك ، وهذا القسم الثاني هو أقبح القسمين والإحسان أيضا على قسمين إحسان إلى من أحسن إليك ، وإحسان إلى من أساء إليك ، وهذا أحسن القسمين ، فكان إحسان اللّه إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان وإساءتهم وكفرهم أقبح أنواع الإساءة ، ومعلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب الجناية ، فبالشتم تعزير وبالقذف حد وبالسرقة قطع ، وبالزنا رجم ، وبالقتل قصاص ، بل شتم المماثل يوجب التعزير ، والنظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل ، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات ، لا جرم استحقوا أعظم العقوبات ، وهو نار جهنم ، فإنها نار في موضع عميق مظلم هائل لا مفر عنه البتة ، ثم كأنه قال قائل : هب أنه ليس هناك رجاء الفرار ، فهل هناك رجاء الإخراج ؟ فقال : لا بل يبقون خالدين فيها ، ثم كأنه قيل : فهل هناك أحد يرق قلبه عليهم ؟ فقال : لا بل يذمونهم ، ويلعنونهم لأنهم شر البرية . السؤال الرابع : ما السبب في أنه لم يقل هاهنا خالدين فيها أبدا ، وقال في صفة أهل الثواب : خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ البينة : 8 ] ؟ والجواب : من وجوه أحدها : التنبيه على أن رحمته أزيد من غضبه وثانيها : أن العقوبات والحدود والكفارات تتداخل ، أما الثواب فأقسامه لا تتداخل وثالثها : روى حكاية عن اللّه أنه قال : يا داود حببني إلى خلقي ، قال : وكيف أفعل ذلك ؟ قال : اذكر لهم سعة رحمتي ، فكان هذا من هذا الباب . السؤال الخامس : كيف القراءة في لفظ البرية ؟ الجواب : قرأ نافع البريئة بالهمز ، وقرأ الباقون بغير همز وهو من برأ اللّه الخلق ، والقياس فيها الهمز إلا أنه ترك همزه ، كالنبي والذرية والخابية ، والهمزة فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال ، كما أن من همز النبي كان كذلك وترك الهمز فيه أجود ، وإن كان الهمز هو الأصل ، لأن ذلك صار كالشئ المرفوض المتروك وهمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال : إنه من البرا الذي هو التراب . السؤال السادس : ما الفائدة في قوله : هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ؟ الجواب : أنه يفيد النفي والإثبات أي هم دون غيرهم ، واعلم أن شر البرية جملة يطول تفصيلها ، شر من السراق ، لأنهم سرقوا من كتاب اللّه ، صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وشر من قطاع الطريق ، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق ، وشر من الجهال الأجلاف ، لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح .